كلفة الانتظار
شجعتني زيارة أحد المرضى اللذين عالجتهم مؤخرا على توضيح مسألة صعبة. كنت أوَدُّ كتابة هذا المقال منذ مدة طويلة. في كل مرة كنت أجلس فيها من أجل كتابة هذا المقال، كنت أفكر بالنتائج التي قد تترتب عن ذلك، فكنت أتراجع. و لكن، حان الوقت للكتابة.
كان هذا المريض صينيا، فوق سن الخمسين. سألته : " ما هو عملك ؟ "، و هو سؤال أطرحُه دائما على مرضاي لمعرفة بعض تفاصيل حياتهم. فأجابني : " أعمل في مكتب ". فسجلت ذلك في أجندتي، و قلت بصوت مرتفع : " موظف بمكتب ". فابتسمتْ زوجته و قالت : " إن زوجي هو صاحب المشروع ". ثم شرعتُ بطرح عدة أسئلة حول مرضه.
بدأت القصة في سنة 2008، عندما خضع المريض لفحص طبي رُوتينيّ. لقد كان يعتني جيدا بصحته، و كان من عادته أن يقوم بهذه الفحوصات الطبية في كل سنة. قال لي المريض : " لأول مرة، ارتفع أحد واسِمي السرطان الذي أعاني منه "CEA" إلى الدرجة 7.
إن "CEA" أو مستضد كارسينو ـ أومبريونيك، هو بروتين يمْكن قياسه في الدم. في الحالة العادية، يكون مستواه في الدم أقلَّ من الدرجة 5. و لكنه يمكن أن يرتفع لدى المرضى المصابين بسرطانات مختلفة، من بينها سرطان القولون، و سرطان المستقيم، و سرطان الرئة، و سرطان الثدي، و عدة سرطانات أخرى. لقد خضع هذا المريض لتنظير القولون، فتمَّ الكشفُ عن سرطان القولون لديه.
ذهب المريض لرؤية طبيب جَراح بارز في سرطان القولون و المستقيم، في القطاع الخاص. فخضع المريض لعملية جراحية، و تبينَ من خلال التشريح أن السرطان كان قد وصل إلى المرحلة الثالثة، لأنه كان قد انتشر إلى اثنتين من الغدد اللمفاوية المجاورة.
سألتُ المريض : " هل اقترح عليك هذا الجراح أن تخضع لعلاج كيميائي ؟ ". فأجابني : " لقد سألناه بشأن ذلك مرتين : مرة بعد العملية الجراحية، و مرة أخرى بعد عدة أشهر، عندما ذهبنا لأخذ نتيجة الفحوصات الطبية، فقال لنا الجراح إن علينا أن ننتظر و نرى ماذا سيحدث ".
و في شهر فبراير، مباشرة قبل العام الصيني الجديد، ارتفع واسم"CEA" الذي كان قد انخفض إلى مستواه الطبيعي بعد العملية الجراحية، من جديد إلى الدرجة 7. كما أثبت مسحُ PET CT انبثاث السرطان في الرئتين. شعرت بدمي يغلي، عندما سمعت هذه الأخبار. و قلتُ في نفسي : " ليس بعد ". و ذلك لأني كنت قد سمعتُ مثل هذه القصة عدة مرات قبل ذلك. كما أني متأكد من أن هناك أطباء آخرين اختصاصين في الأورام يتصرفون بنفس الطريقة.
كنت قد خضْتُ هذه المعركة، في بداية التسعينات من القرن الماضي، حين كنت رئيس القسم الطبي للأورام بالمستشفى العام في سنغافورة. في ذلك الوقت، كانت هناك اختبارات سريرية يخضع لها المرضى المصابون بسرطان القولون في المرحلة الثالثة. لقد أظهرت النتائج أن المرضى اللذين خضعوا لعلاج كيميائي بعد عملية جراحية كانت لهم حظوظ أكبرُ للشفاء.
لقد كنت واحدا من الأطباء الأوائل الذين كانوا ينصحون بإخضاع مثل هؤلاء المرضى للعلاج الكيميائي. و بالفعل، كان الإجماع قد تم على فائدة العلاج الكيميائي، على حدِّ علمي، كطريقة ناجعة للعلاج.
تضع وزارة الصحة مبادئَ توجيهية للممارسات تتعلق بعلاج الحالات الطبية الشائعة. و تشمل هذه المبادئ التوجيهية أمراضا مثل السكري، و ارتفاع ضغط الدم، و ارتفاع الكولسترول. لقد أوصت المبادئ التوجيهية المتعلقة بعلاج سرطان القولون و المستقيم، التي نُشرت في سنة 2004، بأن يخضع كل مريض مصاب بسرطان القولون في المرحلة الثالثة، للعلاج الكيميائي بعد العملية الجراحية.
إن الهدف من العلاج الكيميائي بعد العملية الجراحية هو قتلُ الخلايا السرطانية المجهرية التي قد تكون لا تزال متواجدة في جسم المريض. و بين كل 100 مريض مصاب بسرطان القولون في المرحلة الثالثة خضعوا لعملية جراحية، ينتشر السرطان إلى أعضاء أخرى لدى 50 مريضا. و لكن إذا خضع هؤلاء المرضى المائة للعلاج الكيميائي، فإن 25 فقط منهم يتعرضون لانتشار السرطان من جديد. و هذا يعني أن العلاج الكيميائي في مثل هذه الحالات يُقلل من انتشار المرض من جديد أو الموت بنسبة 50%. و إذا كان الأمر كذلك، فأي شيء يمنع الطبيب من إخضاع المريض للعلاج الكيميائي ؟
ماذا كان ينتظر هذا الطبيب الجراح عندما اقترحَ على مريضه الذي جاء لرؤيتي أن ينتظر و يرى ماذا سيحدث ؟ و بغَضِّ النظر عما إذا كان سرطان المريض قد بدأ بالمرحلة الأولى أو الثانية أو الثالثة، عندما يعاود السرطانُ الانتشارَ، فإنه يصبح سرطانا في المرحلة الرابعة، و هو في أغلب الأحيان سرطان غير قابل للعلاج.
عندما شرحتُ ذلك للمريض، قال لي : " ربما كان ذلك خطأنا لأننا لم نلِحَّ على الطبيب. و لكننا لم نكن نعرف أني كنت بحاجة إلى رؤية طبيب اختصاصي في السرطان ". من حسن حظ هذا الطبيب الجراح، أن هذا المريض متسامح.
و لكنَّ تقييمي لهذه الحالة كان يمكن أن يكون أكثر صرامة. بالطبع، أنا لا أقول إن الأطباء ليس لهم الحق في ارتكاب أخطاء. كما أني لا أقول إن من واجب الأطباء أن يعملوا أكثر، و أن يكونوا دائما على دراية بآخر المُستجدّات الطبية، و غير ذلك من الواجبات المهنية.
كل ما أريد أن أقوله هو أنه قد تم وضع تلك المبادئ التوجيهية التي تحدثتُ عنها لأسباب وجيهة. و أهمُّ هذه الأسباب، هو أنه عندما يتَّبع الأطباءُ المبادئ التوجيهية، فإن المرضى يستمرون في الحياة أكثر مما يكون الأمر عليه عندما لا يتبعونها.
أستطيع أن أتقبلَ الأمرَ عندما يفضل الأطباء أن يبتعدوا عن هذه المبادئ التوجيهية في حالات استثنائية. و لكن من الصعب جدا تقبلُ الأمر عندما يكون الابتعادُ عن هذه المبادئ التوجيهية الطبية ناتجا عن الاعتقاد الخاطئ بأن شخصا واحدا يعرف أكثر من الآخرين، و يستطيع بناء على ذلك أن
يقرر و يختار أن ينتظر و يرى ماذا سيحدث.
نُشِر هذا المقال لأول مرة ب " اعتن بجسدك "، و هو عبارة عن ملحق ب " سترايتس تايمز ".